الشيخ عبد الله البحراني
6
العوالم ، الإمام الجواد ( ع )
فإنّه بعد أن وجّهت أصابع الاتّهام إلى المأمون ، وأنّه قد سمّ الإمام الرضا عليه السلام ، اندفع بلا هوادة إلى إظهار محبّته وتودّده لابن الرضا الإمام الجواد عليه السلام ليبعد عن نفسه تلك الفعلة الشنيعة ، حتّى أنّه اصطدم بعشيرته ، وخالف رأي الأسرة الحاكمة وعارض البلاط العبّاسي لمّا أصرّ على تزويج ابنته أمّ الفضل من الإمام الجواد عليه السلام ، وردّ عليهم قائلا : « قد اخترته لبروزه على كافّة أهل الفضل في العلم والفضل مع صغر سنّه ، والأعجوبة فيه بذلك . . . » . « 1 » ولمّا استعر أوار النزاع بينهم ، كان الفيصل الحاسم مناظرته عليه السلام مع قاضي قضاة الدولة يحيى بن أكثم ، تلك المناظرة الّتي ألقمت خصومه ومناوئيه حجرا بالغ الأثر ، وجعلتهم يركعون على عتبة علمه ، ويطأطئون رؤوسهم أمامه ، وهم أهل العلم والفصاحة كما يدّعون ، بل قيل : إنّه عليه السلام - وكان له تسع سنين - سئل عن - أو أجاب على - ثلاثين ألف مسألة « 2 » في تلك المناظرة ؛ وذلك بإطلاقه عليه السلام القواعد الفقهيّة الّتي تتشعّب منها الأحكام العامّة . وليس هذا بغريب عن فنن دوحة مباركة استوعبت لباب العلوم الإلهيّة والمعارف العقليّة ، إذ طالما جلس آباؤه عليهم السلام هذا المجلس ، فأبهروا العقول ، وأعجبوا الأسماع ، فتخاذل أمام فيض علومهم وتراجع القهقرى ممّن ساد قومه ونبغ أو ترأس طائفته وبزغ ، وما زالت كتب التأريخ تذكر بافتخار مجلس أبيه الرضا عليه السلام عند المأمون يوم دحر جاثليق النصارى ورأس الجالوت بدامغ حججه ، وعظيم بيانه ، وروعة تبيينه ، وعذب منطقه ، وسلاسة أسلوبه .
--> ( 1 ) - الإرشاد للمفيد : 360 . ( 2 ) - راجع الاختصاص : 102 .